وهبة الزحيلي
218
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
المشهور في سبب نزول هذه الآية ما جاء في صحيح مسلم عن أسامة قال : بعثنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في سريّة ، فصبّحنا الحرقات « 1 » من جهينة ، فأدركت رجلا فقال : لا إله إلا اللّه ، فطعنته ، فوقع في نفسي من ذلك ، فذكرته للنّبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « أقال : لا إله إلا اللّه ، وقتلته ؟ » قال : قلت : يا رسول اللّه ، إنما قالها خوفا من السلاح ، قال : « أفلا شققت عن قلبه ، حتى تعلم أقالها أم لا ؟ ! » . « 2 » وروي عن أسامة أنه قال : إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم استغفر لي بعد ثلاث مرات ، وقال : « أعتق رقبة » ولم يحكم بقصاص ولا دية . أما الفقهاء فقالوا : إذا قتله في هذه الحالة قتل به ، وإنما لم يقتل أسامة ؛ لأنه كان في صدر الإسلام ، وتأوّل أنه قالها متعوّذا وخوفا من السلاح ، وإن العاصم قولها مطمئنا ، فأخبر النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه عاصم كيفما قالها ، فقال عليه الصّلاة والسّلام في الحديث المتواتر : « أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله إلا اللّه ، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها » ، ولذلك قال لأسامة : « أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا ؟ ! » أي تنظر أصادق هو في قوله أم كاذب ، وذلك لا يمكن ، فلم يبق إلا أن يبين عنه لسانه . والمراد من الحديث : « أمرت أن أقاتل الناس » هم مشركو العرب دون اليهود والنصارى فإنهم يقولون : لا إله إلا اللّه ، فلا بدّ فيهم من إعلان الاعتراف بنبوّة النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم . وفي هذا من الفقه حكم عظيم : وهو أن الأحكام تناط بالمظانّ والظواهر ، لا على القطع واطّلاع السرائر « 3 » .
--> ( 1 ) الحرقات : موضع ببلاد جهينة . ( 2 ) أحكام القرآن للجصاص : 1 / 248 ( 3 ) تفسير القرطبي : 5 / 324 ، 338 - 339